13-10-2024
كلمة أولى
إذاعة خاصة بتوّات، هل نحن حقًّا في حاجة إليها؟
الأكيد أننا لن نحصل على جواب موحّد على هذا السؤال، بل قد تتهاطل علينا، بدل الجواب الواحد، عشرات الأسئلة؛ منها المشروع ومنها المغرض ومنها المشاكس.
في هذه السطور سنحاول ترتيب بعض الأفكار لعرض الخطوط العريضة للأسباب التي دفعتنا لاتخاذ قرار بإطلاق هذا المشروع الإعلامي المفتوح. وسنكتفي هنا بالحديث عن الإطار العام، على أن نخوض مع المعنيين في المسائل الفنية والترتيبات العملية لاحقا.
التساؤل البديهي الأول الذي يتبادر إلى ذهن الكثير هو: ما الهدف من إنشاء إذاعة خاصة بتوّات؟
لكن قبل الجواب عن هذا السؤال الوجيه، دعُونا نتفق أوّلاً على تعريف لمجتمع توّات. الأمر قد يبدو بسيطا، وربما هو كذلك، لكنه لا يزال بالنسبة إلينا موضوعا مؤرّقا لم نجد منه مخرجا منذ سنوات طويلة. المرادف المختصر والأقرب للفظة توّات هو "الميزابيون". هل هذا سيُشبع فضول السائلين؟ ربما! إذا اكتفينا بالقول إن الميزابيين هم سكان وادي ميزاب، أو بعبارة أوضح "آت مزاب" أو "آت إيغرسان". وهنا فقط تنطلق بعض الأسئلة المحرجة لمحاولة تحديد من هم "آت مزاب"؟ أو كيف نراهم ونعرّفهم؟ هل هم:
- الذين وُلدوا في حدود قرى وادي مزاب؟
- الذين يعيشون في منطقة وادي مزاب؟
- الذين يتكلمون المزابية؟
- الذين يعتنقون أو ينتسبون إلى المذهب الإباضي؟
- الذين وُلدوا لأبوين مزابيين أباً عن جدّ؟
قد تكون كل هذه الأوصاف صحيحة، لكنها بالتأكيد ليست جوابا كافيا شافيا. لأن الوسواس الذي بداخلنا سيقول لنا إنّ:
- هناك من يعيش في منطقة وادي مزاب، بل حتى أنه ولد فيها، لكن لا حق له في الانتساب إلى "توّات".
- وهناك من يتكلم المزابية بطلاقة وهو أيضا خارج معادلة الانتساب.
- وهناك بالمقابل من هم منتسبون، بلا منازع، إلى طائفة "توّات"، إلا أنهم في حِلّ من تعليمات المذهب الإباضي في عمومه.
- وهناك أيضا من يُصنَّفون أو يصنِّفون أنفسهم في خانة "توّات"، ووالدوهم (أحدهما في الغالب) من "عِرق" آخر.
- وإذا سمحنا لأنفسنا باستقبال هذه "الوساوس"، فإننا سنذهب بعيدا في النبش لنجد أنفسنا في نهاية المطاف عاجزين عن تقديم ردود مقنعة وحاسمة، ومريحة أيضا، لتساؤلات من قبيل:
- ماذا لو تمكّنت مجموعة من أجداد أجدادنا من استراق النظر إلى أشكالنا؛ هل سيتعرّفون علينا على أنّنا منهم؟ وماذا لو اقتربوا أكثر وعاشوا قليلا بيننا؟
- بل، كم من أشخاص (رجالا ونساء) لا يزالون على قيد الحياة يرون أن كثيرا من المزابيين الآن "لا يمتّون إلى توّات بصلة"، ولكلٍّ حُجّته في ذلك.
إلى عقود قليلة كان التعرّف على المزابي "الأصيل" سهلا للغاية، سروال وطاقية وعباءة بأشكال متعارف عليها تجعلنا نميّز المزابي عن غيره بكل سهولة ومن أبعد المسافات. أما بالنسبة إلى المرأة المزابية فالأمر أسهل بكثير.
هذا عن الشكل والهيئة الخارجية للمزابي. فماذا إذا تعمّقنا قليلا وخُضنا في الممارسات والسلوك والعادات والتقاليد وغيرها من المعالم التي يمكن إدراجها (عموما) ضمن إطار أساسيات الشخصية المزابية ومؤسسات المجتمع المزابي؟ الأجوبة ستكون متعدّدة، والحقّ أنها لن تكون أجوبة بأتمّ معنى الكلمة لأنها ستحمل معها تساؤلات متفرّعة لا حصر لها، منها البسيط ومنها المعقّد ومنها المتشابك.
تبقى أمامنا الآن الإشكالية الأهم: هل يحقّ لنا الخوض في هذه الأسئلة وغيرها؟ وما هي الحدود التي علينا الالتزام بها وعدم تخطيها؟ وقبل هذا وذاك، من يحقّ له فتح هذا النقاش، وأيضا المشاركة فيه؟ ومن هو الشخص أو الجهة المخوّلة بإدارة كل هذا؟
كما أشرنا من قبل، حبل التساؤلات طويل وممتد إلى ما لا نهاية، وسبب ذلك ربّما هو أن مجال طرحها (على الأقل علنا) لم يكن متاحا أو لنقل منظّما ومقنّنا بطريقة تساير النظام والتقنين اللذين تميّزت بهما تركيبة المجتمع المزابي.
لأجل كلّ هذا وغيره رأينا من المفيد المساهمة بمبادرة تساعد على فتح نقاش نريده أن يكون مثمرا ومفيدا يقوم على مبادئ أساسية لا غرض من ورائها غير توفير فرصة للمؤهلين لتقديم أعمال من شأنها أن تساعد على تحقيق جملة من الأهداف؛ أهمها:
- تثمين كل شيء إيجابي لدى المزابيين ومحاولة توريثه ليس فقط لأبناء المجتمع، بل لكل فرد أو مجتمع آخر خارج الدائرة، انطلاقا من سنة الله في عباده الصالحين الذين لا تتوقف مسؤولياتهم في إصلاح أنفسهم، بل تتعداها إلى محاولة إصلاح غيرهم ونشر رسالة الخير بين كل البشر.
- محاولة التوصّل إلى تشخيص دقيق للأذى الذي يعاني منه المجتمع المزابي، ومنه إلى وصف علاج فعّال له، بعيدا عن المهدّئات والمنوّمات التي لا تزيد إلا في تأجيل العلاج وتعقيده.
- تدارك ما فات، والمساهمة مع الخيّرين (العاملين سرًّا وعلناً والصامتين) في وقف أي تدهور حاصل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ومحاولة إعادة ترتيب الأولويات وتحديث برنامج نظام تشغيل المجتمع دوما وأبدا.
لأجل كل هذا وغيره، رأينا ألاّ نستمرّ في تأجيل هذا المشروع، وأن ننطلق فيه بما أوتينا من علم وخبرة وإمكانيات لعلنا بذلك ننضم إلى جملة المبادرات السابقة (ما أفل منها وما هو قائم)، ونفتح الطريق لمن هو أقدر وأعلم للمساهمة من أجل تحقيق الهدف الأسمى الذي حفّز أجدادَنا لإبداع نظام انصهروا فيه وعملوا من أجل تجسيد رؤيتهم ومشروعهم داخل نطاقهم المحدود من باب "ما لا يدرك كله لا يترك جلّه"، وها هو هذا المجتمع "الفاضل" بعد مسار قرون يجد نفسه معرّضا للضرر من الداخل ومن الخارج.
أملُنا في "توّات" أن يتجاوبوا مع هذا المشروع الإعلامي، الذي تأجّل وتأخّر كثيرا، وأن يساهموا (كلّ من موقعه ومن مجال خبرته) في إنجاحه والعمل على تطويره. وهو مشروع لا نبغي منه أبدا رياءً ولا تفرقة ولا حتى عنصرية، بل مسعانا هو توفير "ميكروفون" للأصوات الخافتة لكي تُسمع صوتها، وللآذان الصاغية (التي لا تسمع شيئا) لكي يصلها كلام تستفيد منه ويكون لها محفّزا للعمل الخيّر والتفاعل الإيجابي ضمن الدائرة الضيقة وأيضا نحو ما هو أوسع وأشمل.
وما توفيقنا إلا بالله عليه توكّلنا وإليه ننيب.
